أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
292
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
في الفيافي ونحو الأنهار ، محبا لاستماع الألحان ، والاجتماع بأهل الرياضات وأصحاب الجدل ، منصفا من نفسه إذا خصم ، ويعترف بموضع الإصابة والخطأ ، معتدلا في الملابس والمآكل والمشارب والمناكح ، بيده آلة النجوم والساعات . و ( مات ) وله ثمان وستون سنة . ثم أنه تخلى عن خدمة الملوك وبنى موضع التعليم ، وأقبل على العناية بمصالح الناس ، ورفد الفضلاء ، وتزويج الأيامى ، وارشاد الملتمسين للعلم والأدب . وكان جليل القدر في الناس . وكانت له من الملوك كرامات عظيمة ومنزلة رفيعة . وكان كثير التلاميذ من الملوك وأبنائهم وغيرهم . وكان أهل مدينة أسطا إذا أشكل عليهم أمر يجتمعون إلى قبره حتى يفتح لهم ، ويزعمون أن قبره يصحح فكرهم ويزكي عقولهم . واستيفاء أخباره لا يمكن إلا في مجلد . ومن جملة أساتذة الحكمة : الفارابي : وهو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي التركي الحكيم المشهور ، صاحب التصانيف في المنطق والحكمة وغيرها من العلوم . وهو أكبر فلاسفة الإسلاميين ، لم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه . وتخرج ابن سينا بكتبه ، وبعلومه انتفع في تصانيفه . وكان رجلا تركيا ، تنقلت به الأسفار إلى أن وصل بغداد . وهو يعرف كثيرا من اللغات غير العربي ، ثم تعلمه وأتقنه . ثم اشتغل بالحكمة ، فقرأ على أبي بشر متى بن يونس الحكيم ، من ( شرح كتاب أرسطو في المنطق ) سبعين سفرا . وكان هو شيخا كبيرا له صيت عظيم يجتمعون في حلقته كل يوم المئون من المنطقيين . ثم أخذ طرفا من المنطق من أبي حنا بن خيلان الحكيم النصراني بمدينة حران ثم قفل إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة وتمهر في كتب أرسطو جميعها . يقال : وجد كتاب ( النفس ) لأرسطو ، وعليه مكتوب بخط الفارابي : إني قرأت هذا الكتاب مائتي مرة . ويقال : قرأ ( السماع الطبيعي ) لأرسطو أربعين مرة ، ومع ذلك يقول : إني محتاج إلى معاودته . وكان يقول : لو أدركت أرسطو لكنت أكبر تلامذته . ثم سافر إلى دمشق ، ثم إلى مصر ، ثم عاد إلى دمشق ، فأحسن اليه سلطانها سيف الدولة بن حمدان ، وأجرى